يحتل شهر رمضان مكانة فريدة في ذاكرة ووجدان المصريين على مر العصور، وقد أصبغوه بمظاهر ومعان جعلته مختلفا عن سائر بلدان الشرق الأخرى، فأقاموا من أجله الليالي الاحتفالية العامرة بشتى صنوف اللهو والبذخ، إلى جانب حرصهم في ذات الوقت على التقرب إلى الله خلال أيامه.
ولم يغفل الرحّالة والمستشرقون الذين زاروا مصر منذ العصور الوسطى رصد اختلاف حياة عامة الناس في هذا الشهر تحديدا.
وأعربوا عن دهشتهم من بزوغ عادات وطبائع بعينها خلال هذه الفترة دون غيرها، تولد بفرح مع استطلاع هلاله وتختفي بحزن مع قرب انتهائه، فجاءت كتاباتهم حافلة بشهادات ورؤى حفظت لنا صورة تاريخية نابضة بالحياة حتى وقتنا هذا، غلبت عليها الدقة وطرافة الوصف في ذات الوقت.
رصد المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لين الذي زار مصر وأقام بها بضع سنوات عادات المصريين في كتابه الشهير بعنوان "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" بين عامي 1833-1835، وقدم لنا صورة تفصيلية مطولة لاستطلاع هلال شهر رمضان
<><>يقول لين فى كتابه : الليلة التى يتوقع أن يبدأ صبيحتها الصيام تسمى "ليلة الرؤية" فيرسل عدد من الاشخاص الثقاء إلى مساحة عدة أميال فى الصحراء حيث يصفو الجو لكى يروا هلال رمضان.
بينما يبدأ من القلعة موكب الرؤية الذى يضم المحتسب وشيوخ التجار وأرباب الحرف والطحانين والخبازين والجزارين وتتقدم الموكب فرقة من الجنود .
ويمضى الموكب حتى ساحة بيت القاضى ويمكثون
فى انتظار من ذهبوا لرؤية الهلال وعندما يصل نبأ اليقين بثبوت رؤية هلال رمضان إلى
محكمة القاضي يتبادل الجميع التهانى ،ثم ينقسم الجنود والمحتشدون فرقا عديدة،
ويعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى في أحياء مختلفة في المدينة
ويهتفون (يا أتباع أفضل خلق الله! صوموا، صوموا".
ويضيف وليام لين : "إذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصيح المنادي (غدا شعبان، لا صيام، لا صيام)، ويمضي المصريون وقتا كبيرا في تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخنون، وترتسم البهجة على وجوههم كما لو كانوا تحرروا من شقاء يوم صيام، وتتلألأ الجوامع بالأنوار، كما في الليالي المتعاقبة، وتُعلق المصابيح عند مداخل المآذن وأعلاها". ولم يفت وليام لين أن يتحدث عن مزاج المصريين خلال أيام الصيام قائلا: "يكون المسلمون طوال صومهم في النهار نكدي المزاج، ويتحولون في المساء بعد الإفطار إلى ودودين محبين بشكل غير عادي.
لا نصادف خلال شهر رمضان الناس في الشوارع يحملون أدوات التدخين، كما هي الحال في الأوقات الأخرى، بل نراهم يمشون فارغي اليدين، أو يحملون عصا أو مسبحة،ولم يكن النصارى في محلاتهم يدخنون على مرأى من المسلمين الصائمين. وفي هذه الأوقات، يتوافد أبناء الطبقات الدنيا إلى المقاهي، ويفضل بعضهم كسر صيامه بفنجان قهوة وتدخين البيبة، وقليلون هم الفقراء الذين يكسرون صيامهم، وقد يعمد بعض أبناء الطبقتين الغنية والمتوسطة إلى التوقف عن الصيام سراً».
<><>
يتناول المسلمون فطورهم بشكل عام في
منازلهم، وبعد ذلك بساعة أو ساعتين يمضون إلى منزل أحد الأصدقاء، وبعضهم يرتاد
المقاهي، حيث تتم اللقاءات الاجتماعية، أو يستمعون إلى رواة السير والحكايات
الشعبية، أو سماع الموسيقى من الموسيقيين الذين يسلونهم في كل ليلة من ليالي
رمضان».
ويعد لين أبرز من
تحدث عن المسحراتي وعاداته، وذكر نصوص الأغاني التي يتغنى بها والنوتة الموسيقية الخاصة
بكل أغنية. كما ذكر أنه يدور في كل ليلة، ولكل منطقة مسحراتي خاص بها، يطلق المدائح
لأرباب المنازل؛ ممسكًا بيده اليسرى بازًا صغيرًا وبيده اليمنى عصا أو قطعةً من الجلد
يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل ناقوسين؛ موحداً الله ومصلياً على
الرسول- صلى الله عليه وسلم- (اصح يا غفلان وحد الرحمن.. أسعد الله لياليك يا فلان)،
داعيًا بالتقبل والحفظ لأهل الدار، ولا يذكر أسماء البنات، وإنما يقول: أسعد الله لياليك
يا ست العرايس، وكان المسحراتي يلزم الصمت عندما يمر ببيت في حالة حزن لوفاة عزيز.
<><>وفى وصفه للنساء قال:"تضع المرأة في العديد من منازل الطبقة المتوسطة في القاهرة قطعة معدنية صغيرة (أو خمس فضات أو قرشا أو أكثر) في قطعة من الورق، ويقذفونها من النافذة إلى المسحّراتى بعد أن تكون أضرمت النار في الورقة حتى يرى مكان سقوطها. فيتلو المسحّراتى حسب رغبتها أو بملء إرادته سورة الفاتحة، وقصة قصيرة غير موزونة القافية ليسليها كقصة (الضرتّين) وشجارهما. وتبعد بعض قصصه عن باب اللياقة والاحتشام، ومع ذلك تسمعها النساء القاطنات في المنازل ذات السمعة الطيبة".
وعن ليلة القدر قول لين:يبدأ المصريون في الثلث الأخير من شهر رمضان الاستعداد لاستقبال عيد الفطر بعادات خاصة تتداخل مع عادات الناس في رمضان، فضلا عن إحياء الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان لرصد ليلة القدر، وعن هذه الأيام أفرد وليام لين جانبا مميزا قدم لنا صورة عن عادة المصريين خلالها، قائلا:"يحيي الأتقياء المتدينون آخر عشرة أيام من رمضان في نهاره ولياليه في جامع الحسين وجامع السيدة زينب (في القاهرة)، وتُعرف إحدى هذه الليالي وهي ليلة السابع والعشرين منه عامة بليلة القدر...ويقضي هذه الليالي بخشوع كبير بعض الأتقياء الذين لا يستطيعون التأكد أي من الليالي العشر في رمضان هي ليلة القدر، ويجعلون أمامهم وعاء فيه ماء مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق فيتأكدون أن تلك الليلة هي ليلة القدر".




