رصد
المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لين الذي زار مصرثلاث مرات وأقام بها بضع سنوات عادات المصريين في
دراسته الشهيرة بعنوان "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" بين عامي
1833-1835، وقدم لنا صورة تفصيلية مطولة عن شهر رمضان .
الإنجليزى الذى سحرته ألف ليلية وليلة وحولته
إلى منصور أفندي
ولد المستشرق الانجليزى "إدوارد
وليم لين" فى السابع عشر من
سبتمبر عام 1801 في غرب لندن، ودرس اللغة العربية عام 1822، وأثناء دراسته اصيب
بالحمى فجاء إلى الشرق طلبا للشفاء وفرصة للدراسة ، وكان لين مرتبطا بالشرق خاصة بعد انتهاءه من قراءة قصص" ألف ليلة
وليلة" وعالمها الساحر .
جاء لين إلى مصر عام 1925 وهو فى ال24 من عمره وهو يتطلع إلى دراسة اللغة العربية وطبائع الشعب المصرى على حد السواء ،لذا ارتدى الزى التقليدى
المصرى وأطلق على نفسه اسم "منصور أفندى "حتى اعتقد العامة أنه تركى .
لم يكتفى لين بذلك بل اختلط بالمصريين ودخل منازلهم وأسواقهم وجوامعهم ، واتبع عاداتهم
وتقاليدهم فامتنع عن أكل كل ما حرمه الدين الاسلامى من طعام ،وكف عن تناول الطعام بالشوكة
والسكين .
أثمرت حياة لين فى مصر عن رغبته فى تعريف العالم بمصر والمصريين فجاب فى أنحاء مصر وطاف
بها متنقلا فى طول البلاد وعرضها مدة ثلاث سنوات عاد بعدها إلى انجلترا يحمل كتابه
(فى وصف مصر) مرفقا برسومات قام برسمها .
لم ينسى لين عشقه لمصر خاصة القاهرة فعاد إليها من جديد
عام 1933 وظل بها عامين مجاورا أحياء
القاهرة القديمة وأهلها والاتصال بما استطاع من العلماء،
ونسخ ما يستطيع الوصول إليه من المواد في آلاف الصفحات، وبذل قصاري الجهد فى
الوصول إلى المخطوطات الأصلية الملحقة بمكتبات المساجد وغيره، استطاع لين أن يقدم دراسته
الهامه فى كتابه "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم"الذى صدر عام 1936.
عاد لين مرة ثالثة إلى مصر عام 1842 وظل بها مده 7 سنوات وكان
هدفه تحقيق مشروعه العلمي الأكبر وهو قاموسه العربي الإنجليزي أو «مدّ القاموس An
Arabic – English Lexicon»، وظهر الجزء الأول من القاموس عام 1863،
وأدركته المنية سنة 1876 وهو لا يزال في نصف الجزء السادس، فقام حفيد أخيه ستانلي
لين بول بإتمامه ونشره سنة 1877.
تطرق ادوارد لين فى كتابه إلى مظاهر شهر رمضان وتفاصيلة فى القاهرة فقدم لنا صورة تكاد تنبض بالحياة عن سلوك أهلها فى هذا الشهر الكريم.
تفاصيل ليلية
الرؤيا
يقول "إدوارد وليم لين" :" تعرف
الليلة التى يتوقع فيها بدء شهر رمضان بليلة الرؤيا ،ويتوجه فى فترة بعد ظهر اليوم
السابق أو قبلا العديد من الاشخاص إلى الصحراء حيث الهواء النقى لرؤية الهلال
،ويبدأ الصوم فى اليوم التالى بعد رؤيته ،وتفى شهادة مسلم واحد فى رؤية الهلال لإعلان
الصوم .
ينطلق
المحتسب وشيوخ بعض التجارات المختلفة (الخبازون والطحانون والجزارون وبائعو اللحم
والزياتون والخضرجيون) ولفيف من أعضاء هذه التجارات وفرق المزيكاتيين والفقراء
يرأسهم الجنود فى هذه الليلة فى موكب من القلعة إلى محكمة القاضى
وينتظرون عودة أحد الاشخاص الذى ذهب للرؤيا أو شهادة مسلم أخر رأى القمر هلالا .
ويحتشد
الناس فى الشوارع التى يمرون بها وجرت العادة أن تنضم إلى الموكب طائفة من الجياد
المغطاه أسرجتها بشكل مزركش بيد أن العرض العسكرى للطبقة الفقيرة قد حل محل الابهة
الدينية المدنية التى تشهدها هذه الليلة .وبات يقتصر موكب ليلة الرؤيا اليوم على
مشاة النظام ويتقدم حاملوا المشاعل كل مجموعة من الجنود كما يسيرون خلفهم لانارة
الطريق عند عودتهم ويتبعهم الشيخ وبعض أعضاء التجارات الاخرى مع العديد من الفقراء
وهم يهتفون عند مرورهم :"البركة ،البركة! بارك الله عليك يا رسول ،السلام عليه".
وتنقضى
عامة بضع دقائق بعد مرور فرقتين أو ثلاث فرق ويختم المحتسب ومساعدوه الموكب ،وبعد
أن يصل الخبر اليقين بأنه تمت رؤية القمر إلى محكمة القاضى ينقسم الجنود
والمحتشدون فرقا عديدة ويعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى فى
أحياء مختلفة فى المدنية تهتف :"يا أتباع أفضل خلق الله ! صوموا صوموا"
وإذا لم يروا القمر فى تلك الليلة ،يصرخ المنادى :"بكره شعبان،ما فيش صيام
،مافيش صيام ".ويمضى المصريون وقتا كبيرا من تلك الليلة يأكلون ويشربون
ويدخنون وترتسم البهجة على وجوههم كما لو أنهم يتحررون من شقاء يوم صوم
.
المسلمون
طوال صيامهم نهارا نكدى المزاج
تتلالا
الجوامع أنوارا وتعلق المصابيح عند مداخلها وفوق المآذن ،ولا نصادف خلال شهر رمضان
الناس فى الشوارع يحملون( البيبات )كما فى الاوقات الأخرى بل نراهم يمشون فارغى
اليدين أو يحملون عصا أو سبحة ،ويكون المسلمون طوال صيامهم نهارا نكدى المزاج
ويتحولون ليلا بعد الافطار إلى ودودين محبيين بشكل غير عادى ،ويدرج الاتراك فى
القاهرة وغيرهم فى رمضان على التوجه الى جامع الحسين فى فترة الظهيرة للصلاة
والاستراحة .ويعرض بعض التجار الاتراك ويعرفون (بالتحفجية) فى مثل هذه المناسبات
بضاعتهم فى باحة الميضأة للبيع والتى تنم عن ذوق رفيع .
ومن
الشائع فى رمضان رؤية التجار فى متاجرهم يتلون آيات من القرآن أو يؤدون الصلوات أو
يوزعون الخبز على الفقراء ويصبح المتسولون قبيل المساء وأحيانا بعد المغيب مزعجين
وصاخبين ،ويتوافد فى هذه الأوقات أبناء الطبقات الدنيا إلى المقاهى ويفضل بعضهم
كسر صيامه بفنجان قهوه وبيبه .
فطار أهل
مصر فى رمضان .... نٌقل وشربات
يضع
أبناء الطبقتين المتوسطة والغنية طوال شهر رمضان كرسى الافطار فى الحجرة التى
يستقبل فيها سيد المنزل زواره قبيل المغيب بدقائق معدودة
،وتثبت صينية فوق هذا الكرسى تزينها أطباق
(النٌقل) المختلفة كالزبيب والتمر المجفف والتين المجفف والكحك والبندق المحمص
والجوز وبعض قٌلل الشربات من السكر والماء.ويزيدون فنجانا أو فنجانين إضافة إلى
عدد الاشخاص فى المنزل للزوار الذين يحضرون فجأة فيتشاركون الشراب ويضيفون أحيانا كعكة
جبن صغيرة طازجة ورغيف خبز .
ويتناول
سيد البيت بعد آذان المغرب مع أفراد اسرته أو اصدقائه كاسا من الشربات ثم يؤدون
الصلاة وياكلون بعدها النٌقل ويدخنون ثم يتناولون (الفطور)الدسم المؤلف من اللحم
وغيره من أطياب الطعام .ويؤدون بعد الفطور صلاة العشاء ويضيفون إليها صلاة
التراويح .تقفل الجوامع الصغيرة أبوابها فى شهر رمضان بعد صلاة التراويح أما
الكبيرة فتبقى مفتوحة حتى وجبة السحور ويشع أنوار هذه الجوامع فى داخلها وخارجها
طالما أبوابها مفتوحة .
المقاهى
المكان المفضل لأهل القاهرة ،والأغنياء يقلبون الليل نهار
يتناول
المسلمون فطورهم عامة فى منازلهم ويرتاد بعضهم خاصة أبناء الطبقات الدنيا المقاهى
فى المساء فيعقدون اللقاءات الاجتماعية أو يستمعون إلى رواة القصص الشعبية أو عزف
المزيكاتيين الذين يسلونهم فى المقاهى كل ليلة فى هذا الشهر ،ويتدفق الناس إلى
الشوارع طوال الليل كما تبقى محلات بيع الشربات والمأكولات مفتوحة ،وهكذا ينقلب
الليل نهار بفضل الأغنياء الذين ينامون فى النهار .ويقيم علماء القاهرة حلقات ذكر
فى منازلهم كل ليلة طوال هذا الشهر كما يدعو بعض الاشخاص أصدقاءهم فيقيمون ذكرا أو
ختمة .
المسحراتى
زمان ... اصح يا غفلان وحد الرحمن
ويعد لين
أبرز من تحدث عن المسحراتي وعاداته، وذكر نصوص الأغاني التي يتغنى بها والنوتة
الموسيقية الخاصة بكل أغنية، كما ذكر أنه يدور في كل ليلة، ولكل منطقة مسحراتي خاص
بها، يطلق المدائح لأرباب المنازل؛ ممسكًا بيده اليسرى بازًا صغيرًا وبيده اليمنى
عصا أو قطعةً من الجلد يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل ناقوسين؛
موحداً الله ومصلياً على الرسول- صلى الله عليه وسلم- (اصح يا غفلان وحد الرحمن..
أسعد الله لياليك يا فلان)، داعيًا بالتقبل والحفظ لأهل الدار، ولا يذكر أسماء
البنات، وإنما يقول: (أسعد الله لياليك يا ست العرايس)، وكان المسحراتي يلزم الصمت
عندما يمر ببيت في حالة حزن لوفاة عزيز.
سر الأوراق
المشتعلة التى تلقيها نساء القاهرة للمسحراتى
وفى وصفه
للنساء قال:"تضع المرأة في العديد من منازل الطبقة المتوسطة في القاهرة قطعة
معدنية صغيرة (أو خمس فضات أو قرشا أو أكثر) في قطعة من الورق، ويقذفونها من
النافذة إلى المسحّراتى بعد أن تكون أضرمت النار في الورقة حتى يرى مكان سقوطها.
فيتلو المسحّراتى حسب رغبتها أو بملء إرادته سورة الفاتحة، وقصة قصيرة غير موزونة
القافية ليسليها كقصة (الضرتّين) وشجارهما. وتبعد بعض قصصه عن باب اللياقة
والاحتشام، ومع ذلك تسمعها النساء القاطنات في المنازل ذات السمعة الطيبة".
استعداد المصريون لليلة القدر
وعن ليلة
القدر قول لين: يبدأ
المصريون في الثلث الأخير من شهر رمضان الاستعداد لاستقبال عيد الفطر بعادات خاصة
تتداخل مع عادات الناس في رمضان، فضلا عن إحياء الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان
لرصد ليلة القدر، وعن هذه الأيام أفرد وليام لين جانبا مميزا قدم لنا صورة عن عادة
المصريين خلالها، قائلا:"يحيي
الأتقياء المتدينون آخر عشرة أيام من رمضان في نهاره ولياليه في جامع الحسين وجامع
السيدة زينب (في القاهرة)، وتُعرف إحدى هذه الليالي وهي ليلة السابع والعشرين منه
عامة بليلة القدر...ويقضي هذه الليالي بخشوع كبير بعض الأتقياء الذين لا يستطيعون
التأكد أي من الليالي العشر في رمضان هي ليلة القدر، ويجعلون أمامهم وعاء فيه ماء
مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق فيتأكدون أن تلك الليلة هي ليلة القدر".



