مروة عز الدين
المسحراتى فى مصر كما وصفه العالم الفرنسي جيوم أندريه فيوتو
يقدم
العالم الفرنسي جيوم أندريه فيوتو تعريفا بالغ الدقة لهذه المهنة في دراسة بالغة
الأهمية تناول فيها بالفحص الدقيق “الموسيقى والغناء عند المصريين المحدثين”
منشورة ضمن دراسات “وصف مصر” قائلا:
هم
نفر لا يسمع الناس غناءهم إلا من خلال شهر رمضان ويسمون بالمسحرين ،ويوصف بهذا
الاسم أولئك الذين يعلنون كل يوم طيلة شهر رمضان عن اللحظة التى يوشك فيها النهار الجديد أن
ينبلج من ظلام الليل المنصرم ،وهى التى تسمى فى اللغة العربية بوقت السحور،وهى
كذلك الفترة التى ينبغى أن تتم فيها آخر وجبات الليل ،لذلك يطلق على هذه الوجبه
السحور وبعد انتهاء هذه الوجبة لا يعود يسمح للمسلمين أن يشربوا ولا أن يأكلوا حتى
تغرب الشمس بل أنهم ملزمون بأن يراعوا حتى هذا الوقت (وقت المغيب) العفة الصارمة.
مسحراتى مصر ومسحراتى فرنسا
ويشبه
المسحر من نواح عديدة أولئك الذى كنا نسمعهم نحن فى غالبية الأقاليم الغربية من
فرنسا قبل ثورتنا ويسمون (بورنوبيل) وكان هؤلاء فى العادة قارعى أجراس أو قواسين
بالكنيسة وكانوا عشية الأعياد لكبرى وبصفه خاصة أثناء مقدمات عيد الميلاد وكذلك أثناء
الصيام يذهبون أثناء الليل وهم يرتدون فوق ملابسهم رداء كهنوتيا مصبوغا بشكل خشن
ومنفر ،يسير كل منهم فى شوارع القرية أو المنطقة التى تخدمها كنيسته ويتوقف الواحد
منهم أمام بيوت الاشخاص الذين يتوسم أنه سيحصل منهم على هبات، وهناك يحدث بعض الصليل
عن طريق هذا الجرس الصغير الذى يحمله فى يده وهو يصيح :"استيقظوا أيها النيام
وصلوا على راحليكم المؤمنين" وبعد ذلك يتلو بعض الصلوات أو أدعيات يحرص على ألا
ينسى فيها رب البيت ويكرر ذلك ثلاث مرات ثم ينشد بعض أناشيد يسبقها أو يعقبها صليل
جرسه .
وإن
كان المسحر يمسك بطبلة صغيرة تسمى باز أو طبلة المسحر بدلا من تلك الاجراس الصغيرة
التى يستخدمها البورونوبيل إذ أن الاجراس أداة تنبيه حظر على المسلمين استخدامها
ويضرب المسحر على طبلته أربع مرات من وقت لاخر .
ويضيف
جيوم أندريه فيوتو : لا يجوب أي من المسحّرين سوى الشوارع الداخلة في نطاق حيّه
هو، ولذلك فلكي يسمح له بالقيام بهذه المهمة، فإنه ملزم بدفع رسوم (إتاوة) إلى
الشخصية المنوطة بحراسة الحي…ولا يتوقف الا أمام بيوت أولئك الذين يتوسم فيهم أنهم
سيجزلون له العطاء مكافاة له ، وبعد أن
يتلو المسحّر بعض الأدعية الدينية، يبدأ بإنشاد بعض الأشعار، ويقص حكايات شعرية،
ويتمنى أمنيات سعيدة لرب البيت، مستصحبا في ذلك كله طبلته الصغيرة، التي يدقها على
شكل فاصلات تتكون الواحدة منها من أربع دقات متعاقبة.
يلقى
المسحر القبول أكثر مما يلقاه البورنوبيل عندنا فانه يستطيع أن يدخل البيوت بل وأن
ينفذ إلى عتبه الحريم وأن ينشد بعض أشعار رقيقة لا تخلو من غزل ويعلن عن وجوده فى
كنف الحريم بعبارة رقيقة عندما يتوجه
بحدثه إلى النساء قائلا:"غضى جفونك يا عيون النرجس" بل كثيرا ما يقص
هناك فى معقل الحريم فضائح النهار أو ما جرى بين القط والفار اذا ما شئينا أن
نستخدم التعبير نفسه الذى يستخدمه العرب .
وما
ان تبدأ تباشير الفجر فى الظهور حتى يعود كل مسلم إلى بيته ويرن على المدينة صمت
ثقيل ويتوقف عمل المسحر حتى الليلة التالية .
