مروة عز الدين
صاحب رحلتنا اليوم هو الفرنسى جلبير جوزيف جاسبار كونت دى شابرول ،الذى ولد فى( ريوم ) بفرنسا عام 1773 وجاء ضمن علماء الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798
وعمره لا يزيد على 25 عاماً، وكان يعمل مهندسًا للطرق والكبارى، وعين بعد عودته من
مصر عام 1806 مأموراً لمدينة "مونتينو" وأنشأ بها طريق الكورنيش.
رمضان بالنهار الشقاء ... وبالليل الملذات
تناول دى شابرول في دراسة (عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين) ضمن كتاب
"وصف مصر" المجتمع المصرى وعاداته خصوصا في شهر رمضان الذى كثيرا ما جذب
انتباه المستشرقين والرحالة الأجانب.حيث يقول:" شهر رمضان من أهم الأوقات التى ينغمس فيها
المصريون فى المسرات ومختلف ضروب اللهو فهو فى مجموعه شهر صيام ومهرجانات وقد يبدو
من الغريب أن يختاروا مثل هذا الوقت للقيام بممارسات متناقضة :التوبه وتطهير النفس
من ناحية والملذات من الناحية الأخرى ،الصوم يستمر لشهر قمرى كامل ويأتى فى أوقات
غير محددة إذ ياتى أحيانا فى الصيف واحيانا فى الشتاء ،وينبغى على المرء أن يحرم
نفسه من كل طعام ابتداء من شروق الشمس حتى غروبها ولا يستطيع كل هذه المدة لا أن
يشرب ولا أن يدخن ومن السهل أن تتصور قسوة مثل هذا الصيام فى منطقة مدارية كمصر
،ويكون على العامة الذين لا يستطعون الاستغناء عن عملهم اليومى الانتظار حتى نهاية
اليوم ليشربوا ،ويرى المرء الحمالين يسيرون وهم يحملون احمالا ضخمة أو يعملون
بطريقة شاقة أطول وقت من النهار دون أن يرطب حلقهم الجاف قطرة ماء ودون أن يتناولوا
وجبتهم الصغيرة المعهوده لتنشيط قواهم التى هدها العرق والتعب .
ولكن ما أن يأتى المساء حتى يتغير المشهد إنهم لم يعودوا نفس الرجال
،فالليل بطوله ينقضى فى الولائم وضروب اللهو والفجور فى النهار يفعل المرء قدر
طاقته كى ينهى أعماله بسرعة ليخصص بضع ساعات
للنوم، فترى الفلاح راقدا تحت نخلة بعد أن أنهى فى فترة الصباح عمله، وترى التاجر
يرقد فى دكانه، والعامة ممدين فى الشوارع بجوار جدران مساكنهم، بينما الغنى راقدًا
بالمثل، نعسان ينتظر على أريكته الفاخرة الفترة التى تسبق غروب الشمس،وأخيرا تأتى
الساعة التى طال انتظارها، فينهضون على عجل ويهرع كل شخص للحصول على مكانه".
بعد الإفطار تسيطر الخلاعة على كل ضروب اللهو
ويضيف: "تتجمع النساء فى شرفات منازلهن لرؤية غروب الشمس وتعلن
الأغنيات حلول وقت المسرات ووقت الطعام، وتدوى كل المساجد بأصوات المؤذنين الجادة
تنادى الناس للصلاة، وتحدث همهمة فيتفرق الناس على الفور، وتنفض الجماعات ويتبعثر
الجمع إما إلى المقاهي وإما إلى البيوت والمساجد والميادين العامة، ويأكل كل شخص
بشراهة".
ويتابع: "تظل المساجد مضاءة حتى بزوغ النهار، ويقضى أفاضل الناس
ليلهم فى حديث نافع، لكن الجمهور يذهب إلى المقاهى حيث الرواة يقصون بحماسة ملتهبة
مغامرات عجيبة تخلب الألباب بطريقة فريدة".
ويقيم الأثرياء مآدب باذخة ويقدم الطعام للجميع بلا تمييز لكل
الحاضرين وهذه العادة الحميدة بلاشك تطبق فى كل ولايات السلطان ،ويعقب الطعام الاحتفالات
والالعاب وتسيطر الخلاعة الجامحة على كل ضروب اللهو فى ليالى الفسق هذه وتظل المساجد
مضاءة حتى بزوخ الفجر ويقضى أفاضل الناس ليلهم فى حديث نافع لكن الجمهور يذهب الى
المقاهى حيث الرواه والمنشدون يقصون بحماسة ملتهبه مغامرات عجيبة تخلب الالباب
بطريقة فريدة ويهرع البعض الحمامات فهناك على وجه الخصوص تزدهر الملذات .
العوالم فى المنازل
بل أن مباهج رمضان تصل إلى معاقل الحريم ففى
رمضان تستدعى السيدات العوالم وبعض الموسيقيين ،ويجلس الزوج على اريكته ومبسم
غليونه فى فمه وإلى جانبه أحب زوجاته إلى قلبه ليستمع بمتعه شديدة إلى أغنيات
العوالم وصوت الموسيقى ويحيط الزوجين العبيد واقفين من حولهم أو جالسين القرفصاء
على حصيرة .

